
في جـ . ـنـ . ـازة زوجي، استلم أولادي العمارات والشقق والسيارات والحسابات الـ . ـمصرفية، بينما سلّمني كاتب العدل ظرفًا صغيرًا لا يحتوي إلا على تذكرة سفر إلى أربيل… ثم ابتسـ . ـموا جميعًا وكأنهم تخلصوا مني أخيرًا. قال ابني إن أربيل مكان هادئ ومناسب لامرأة في عمري، بينما أطلقت زوجة ابني ضحكة خـ . ـافتة وهي تخفي شماتتها. ظننت أن أبا علي أهانني حتى بعد مـ . ـوته، لكن عندما وصلت إلى أربيل نطق رجل غريب باسـ . ـمي كما لو كان ينتظرني منذ سنوات، ثم نظر إلى الصورة التي كنت أحملها وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:😮
“أبو علي لم يخبرك أبدًا عن حسن… أليس كذـ .لك؟”
لم أسـ . ـمع بهذا الاسـ . ـم مرة واحدة طوال ستة وأربعين عامًا من زواجي.
لكن ما أخبرني به بعد ذـ .لك جعلني أفهم لماذا ترك أولادي يضحكون على تذكرة السفر…
ولماذا أرادني أن أصل إلى أربيل وحدي.
**لم يبكِ أولادي عندما بدأت قراءة الوصية.**
**كانوا ينتظرون أن يسـ . ـمعوا ماذا ترك لهم أبوهـ . ـم.**
**أما أنا، فلم يعد لديّ ما أبكي به أصلًا.**
ثماني سنوات كاملة قضيتها إلى جوار أبي علي وهو يذبل أمام عيني يومًا بعد يوم، ثماني سنوات من السهر الـ . ـمتواصل، وعدّ الأدوية، وتبديل أغطية الفراش، والعمل في الخياطة حتى ساعات متأخرة من الليل كي أوفر ثمن العلاج الذي كان أولادي يعدونني بدفعه ثم ينسونه في كل مرة.
اسـ . ـمي أمينة.
أبلغ الثانية والسبعين من عمري.
وحتى ذـ .لك اليوم كنت أعتقد أن ستة وأربعين عامًا من الزواج لا بد أن تعني شيئًا.
لكنني كنت مخطئة.
جرت قراءة الوصية في مكتب كاتب عدل فاخر في بغداد، حيث الـ . ـمقاعد الجلدية الفخمة ورائحة القهوة العربية الفاخرة والهواء البارد الذي كان يشبه نظرات أولادي أكثر مما يشبه أي شيء آخر.
وصلت ابنتي زهراء بعباءة سوداء أنيقة، لكن أظافرها الجديدة اللامعة كانت أول ما لفت انتباهي.
أما ابني علي فلم يرفع عينيه عن هاتفه إلا عندما بدأت قراءة الوصية.
وجلست زوجته سارة تضم حقيبتها الثمينة إلى صدرها وكأنها تخشى أن يلوثها حـ . ـزني.
بدأ كاتب العدل القراءة.
العمارات.
إلى علي وزهراء.
الشقق.
إلى زهراء.
السيارات.
إلى علي.
ثم جاءت الحسابات الـ . ـمصرفية والاستثمارات والأراضي.
مبالغ ضخمة لدرجة أن الصمت داخل الغرفة أصبح أثقل من الهواء.
رأيت الرضا يرتسـ . ـم فوق وجوههم.
ورأيت الطمع يلمع داخل أعينهم.
أما أنا فكنت أقبـ . ـض على مسبحتي بصمت.
لم أكن أنتظر الـ . ـملايين.
لكنني كنت أنتظر شيئًا واحدًا.
بيتًا.
رسالة.
ذكرى.
أي شيء.
أي شيء بعد ستة وأربعين عامًا من الزواج.
ثم رفع كاتب العدل ظرفًا صغيرًا مطويًا.
وقال:
— للسيدة أمينة حسن.
مدّه نحوي.
كان خفيفًا إلى درجة أنه بدا فارغًا.
لكن زهراء كانت أسرع مني.
اختطفته من يد كاتب العدل وفتحته قبل أن ألـ . ـمسه حتى.
أخرجت ما بداخله.
ثم توقفت.
كانت تذكرة سفر.
من بغداد إلى أربيل.
ذهاب فقط.
لا رسالة.
لا تفسير.
لا كلمة واحدة.
مجرد تذكرة.
ضحك علي بخفة.
وقال:
— أربيل هادئة يا أمي… ومناسبة جدًا لواحدة في عمرك.
خفضت سارة رأسها وهي تكتم ابتسامتها.
أما زهراء فتظاهرت بتعديل حجابها حتى تخفي ضحكتها.
وفي تلك اللحظة فهمت تمامًا ما كانوا يعتقدونه.
أبوهـ . ـم ترك لهم الحياة.
وتركني أنا خارجها.
لم أقل شيئًا.
ليس لأن الأمر لم يؤلمني.
بل لأن بعض أنواع الإهانـ . ـة تكون كبيرة إلى درجة أنها تسلب الإنسان صوته قبل أي شيء آخر.
وضعت التذكرة داخل حقيبتي.
وقفت.
وغادرت الـ . ـمكتب.
لكن شيئًا ما انكسر داخلي في تلك اللحظة، ولم يعد كما كان بعدها أبدًا…
في تلك الليلة، عدت إلى منزلي وأنا أحمل الظرف داخل حقيبتي وكأنني أحمل إهانـ . ـة كاملة مطوية بين ورقتين.
وضعت التذكرة فوق طاولة الـ . ـمطبخ.
نفس الطاولة التي كنت أُطعم عليها أبا علي عندما لم يعد قادرًا على حمل الـ . ـملعقة بيده.
نفس الطاولة التي كنت أجلس عندها لساعات أحاول جمع ثمن الأدوية والفواتير.
ونفس الطاولة التي انتظرت عندها عشرات الاتصالات من أولادي التي لم تأتِ أبدًا.
ظللت أحدق في التذكرة لساعات.
أربيل.
لم يكن أبو علي يتحدث كثيرًا عن تلك الـ . ـمدينة.
لم تكن وجهة حلمنا.
ولم تكن جزءًا من ذكرياتنا.
ومع ذـ .لك، قبل وفاتـ . ـه بثلاث ليالٍ، وبينما كان يصارع أنفاسه الأخيرة، أمسك بيدي وقال بصوت ضعيف:
— أمينة… لا تحكمي على الأشياء من حجمها.
ظننت وقتها أنه يهذي بسبب الـ . ـمـ . ـرض.
لكنّه تابع قائلاً:
— أحيانًا تكون أثمن الأشياء مخبأة داخل شيء لا يريده أحد.
اعتقدت أنه يتحدث عن الحياة.
