
لكنني بدأت أخشى أنه كان يتحدث عن تلك التذكرة.
فكرت في تمزيقها.
وفكرت في رميها.
وفكرت في الاتصال بعلي وإخباره أنني لن أمنحه متعة رؤيتي أختفي من حياته كما أراد.
لكن شيئًا داخلي منـ . ـعني.
لأن أبا علي، رغم عناده وكبريائه، لم يكن رجلًا قـ . ـاسـ . ـيًا.
على الأقل لم يكن كذـ .لك معي.
وفي صباح اليوم التالي حزمت حقيبة صغيرة.
ثلاثة أثواب.
عباءة سوداء.
مسبحتي.
صورة زفافنا.
ومبلغًا بسيطًا من الـ . ـمال كنت أدخره منذ سنوات.
وقبل أن أغادر الغرفة للمرة الأخيرة، فتحت درج منضدة أبي علي.
كانت حركة عفوية.
كأن الأرملة تبحث عن زوجها حتى داخل الأدراج الفارغة.
وهناك وجدت صورة قديمة صفراء اللون.
كان أبو علي فيها شابًا نحيفًا بشعر أسود.
ويقف بجواره رجل يشبهه إلى حد مخيـ . ـف.
نفس العينين.
نفس ملامح الوجه.
ونفس الوقفة.
وخلفهما ظهرت جبال خضراء وبيت ريفي تحيط به البساتين.
قلبت الصورة.
وكان مكتوبًا على ظهرها:
“أبو علي وحسن — أربيل 1978”
حسن.
اسـ . ـم لم أسـ . ـمعه في حياتي.
لم يذكره زوجي مرة واحدة طوال ستة وأربعين عامًا من الزواج.
وضعت الصورة بجوار التذكرة.
ولأول مرة شعرت أن أبا علي لم يكن يطردني بعيدًا.
بل كان يدفعني نحو شيء أخفاه عني طوال العمر.
وبعد أيام قليلة كنت على متن الطائرة الـ . ـمتجهة إلى أربيل.
وخلال الرحلة كلها لم يفارقني سؤال واحد:
من هو حسن؟
وعندما وصلت إلى مطار أربيل الدولي، خرجت أحمل حقيبتي الصغيرة والصورة القديمة والتذكرة التي قلبت حياتي.
وهناك رأيته.
رجل أنيق في أواخر الستينيات من عمره.
يرتدي بدلة رمادية ويحمل حقيبة جلدية سوداء.
كان واقفًا وكأنه ينتظر شخصًا بعينه.
وعندما وقعت عيناه عليّ، تقدم مباشرة نحوي.
وقال:
— السيدة أمينة حسن؟
قبـ . ـضت على حقيبتي بتوتر.
وأجبته:
— نعم.
ابتسـ . ـم باحترام وقال:
— أنا قيس الجبوري… محامٍ مكلف بتنفيذ جزء خاص من وصية الـ . ـمرحوم أبي علي.
شعرت بقشعريرة تسـ . ـري في جسدي.
وسألته فورًا:
— هل كنت تعرف زوجي؟
فأجاب وهو يفتح باب السيارة:
— طلب مني ألا أتواصل معك إلا إذا وصلتِ إلى هنا بنفسك.
تسارعت دقات قلبي.
وكأن أبا علي كان يعرف مسبقًا أنني سأأتي.
وأثناء الطريق عبر شوارع أربيل الـ . ـمبتلة بالـ . ـمطر، أخبرني قيس أن زوجي خطط لهذا الأمر منذ سنوات طويلة.
وقال إن أولادي حصلوا على ما كانوا يريدونه تمامًا.
وقال إن التذكرة لم تكن إهانـ . ـة.
ولم تكن مزحة.
بل كانت الـ . ـمفتاح.
ثم توقف أمام مبنى حديث من الزجاج والحجر.
وأطفأ الـ . ـمحرك.
واستدار نحوي.
ثم سألني سؤالًا جعل الدم يتجمد في عروقي:
— أمينة… هل أخبرك أبو علي يومًا عن حسن الجبوري؟
أخرجت الصورة من حقيبتي بيد مرتجفة.
نظر إليها.
ثم أخرج ملفًا سـ . ـميكًا مختومًا بأختام رسـ . ـمية ووضعه في حضـ . ـني.
كان اسـ . ـمي مكتوبًا على الغلاف.
وتحته عبارة واحدة فقط:
“الوصية الثانية — تُقرأ حصريًا بواسطة أمينة حسن.”
ثم نظر إليّ بهدوء وقال:
— قبل أن ندخل، هناك أمر يجب أن تعرفيه…
لم يكن من الـ . ـمفترض أن يعرف أولادك بوجود هذا الجزء أصلًا.


