
قبل دفـ . ـن حفيدتي بثمانٍ وأربعين دقيقة… وبينما كنتُ أقترب من جسدها الـ . ـمكفَّن لأودّعها للمرة الأخيرة، سـ . ـمعتُ همسًا من داخل الكفن الـ . ـمغلق:
“جدّتي… أنا كنتُ مطيعة… ولم أقل شيئًا.”
تجمّدتُ.
ثم اقتربتُ أكثر… وأنا أعرف أن ما سـ . ـمعته لا يمكن أن يكون خطأ.
كان الوقت يشير إلى 3:12 فجرًا، والهدوء الثقيل يخيّم على أرجاء الـ . ـمنزل في أطراف النجف، حيث اجتمع الجيران والأقارب استعدادًا للصلاة على الصغيرة “زهراء” قبل طلوع الشمس.
تسللتُ وحدي إلى الغرفة التي وُضِع فيها جسدها، فقد أخبروني ألا أُرهق نفسي بالبكـ . ـاء مرة أخرى، لكن شيئًا داخلي رفـ . ـض أن أودّعها من بعيد.
كان جسدها الصغير مسجّى على النعّالة الخشبية، ملفوفًا بالكفن الأبيض بإحكام، كما تقتضي عاداتنا.
لم يكن هناك نعش للعرض، بل قماش أبيض يغطيها بالكامل، لا يظهر منه شيء.
رائحة الـ . ـمسك والبخور تملأ الـ . ـمكان، وصوت تلاوة القرآن يخرج خـ . ـافتًا من هاتفٍ قديم وُضع قرب رأسها. الـ . ـمطر الخفيف كان يطرق زجاج النافذة، وكأن السـ . ـماء تشاركنا الحـ . ـزن… أو تحاول أن تحذّرني.
اقتربتُ منها ببطء، ويدي ترتجف رغم أنني لم أعد أخـ . ـاف شيئًا منذ سنوات. مددتُ يدي، ورفعتُ طرف الكفن قليلًا… وعندها سـ . ـمعتُ الهمس.
لم يكن خيالًا.
لم يكن وهـ . ـمًا.
كان صوتها… ضعيفًا… مكسورًا… لكنه حقيقي.
“جدّتي… أنا كنتُ مطيعة…”
توقّف قلبي لحظة، ثم عاد ينبض بعنـ . ـفٍ لم أعرفه من قبل. انحنيتُ بسرعة، وكشفتُ وجهها بحـ . ـذر، فوجدتُ جفونها ترتجف، وصدرها يرتفع بالكاد، كأن كل نفسٍ يُنتزع منها بالقوة. شفتاها جافتان، متشققتان، تتحركان ببطء شديد، وكأن الظلام يحاول ابتلاع أنفاسها.
في تلك اللحظة، أدركتُ الحقيقة التي لم يجرؤ أحد على قولها:
هذه الطفلة لم تمت.
هذه الطفلة كانت تُدفـ . ـن حيّة.
أنا في الثانية والستين من عمري، وقد شوّه التهاب الـ . ـمفاصل أصابعي منذ زمن، لكن يديّ في تلك اللحظة تحركتا وكأنهما لم تعرفا الألـ . ـم يومًا. أدخلتُهما تحت طبقات الكفن، وتحسّستُ معصميها… فتجمّدت الدماء في عروقي.
لم تكن حرّة.
كانت هناك قيود معدنية دقيقة تُثبّت يديها، مخفية بإحكام داخل طيّات الكفن، تضغط على بشرتها الصغيرة حتى تركت آثارًا داكنة تميل إلى الأرجواني.
وعلى كاحلها الأيسر، كانت هناك كدمة واضحة، أما جبينها فكان ساخنًا كالجمر، في حين كانت قدماها باردتين كأنهما وُضعتا في قبوٍ مظلـ . ـم.
ارتفعت صـ . ـرخة إلى حلقي، لكنها لم تخرج. سقطتُ على ركبتيّ دون وعي، ونظرتُ إلى زهراء، التي فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليّ بنظرة لم تكن لطفلة… بل لشخصٍ تعلّم الصمت خـ . ـوفًا.
“لم أقل شيئًا…” همست من جديد.
كانت تلك الكلمات أشد قسوة من أي بكـ . ـاء. الأطفال الذين يُخطئ الأطباء في تشخيصهم لا يتحدثون هكذا… هذا صوت من أُجبر على الصمت.
في تلك اللحظة، لم أحتج إلى دليل آخر. لم يكن هناك خطأ… لم يكن هناك التباس… بل كان هناك من أراد لهذا أن يحدث.
بدأتُ أتحسس أطراف جسدها من الخارج، عبر طبقات القماش، وبين الطيّات الـ . ـمحكمة للكفن، حتى شعرتُ بشيءٍ صلب تحت ظفري. كان هناك مفتاح صغير مُثبت بشريط لاصق داخل إحدى الطيات، في مكانٍ لا يمكن أن يخطـ . ـر ببال أي شخص يظن أنه يودّع ميتًا.
تمزّق الشريط عندما جذبته بقوة، ومعه خيط من القماش. حاولتُ فتح القيد الأول، لكنه لم يستجب بسهولة، أما الثاني فلم ينفتح إلا بعد أن ضغطتُ بإبهامي بكل ما أملك، حتى شعرتُ بألـ . ـمٍ حاد وسـ . ـخونة الدم تحت الظفر.
وعندما تحررت يداها أخيرًا… لم تبكِ.
بل تعلّقت بعنقي بقوة، كأنها كانت تغرق ووجدت أخيرًا من ينقذها.
“سنخرج من هنا”، همستُ وأنا أضمّها، وألفّها بعباءتي السوداء.
أراحت رأسها على كتفي، وكان تنفّسها متقطعًا، حارًا، متعبًا.
ثم قالت الجملة التي جعلت كل شيءٍ يتضح:
“بابا قال إذا حكيت… راح يصير أسوأ.”
في تلك اللحظة، لم يعد هناك شك.
انقبـ . ـض فكّي بقوة، وفي الأسفل سُمِع صوت بابٍ يُغلق بعنـ . ـف. بعده مباشرة، وصلني صوت رجلٍ يتحدث بهدوء عبر الهاتف، وكأن شيئًا لم يحدث.
كان صوت ابني… “رعد”.
“نعم، الدفـ . ـن قبل الفجر مباشرة… لا نريد تأخيرًا”، قال بصوتٍ ثابت.
نظرتُ حولي.
أكواب الشاي مصطفة.
التمر جاهز.
الـ . ـمعزّون ينتظرون.
كل شيء مُعدّ… لدفـ . ـن طفلة حيّة.
وفي تلك اللحظة… سـ . ـمعت صوت باب الـ . ـمنزل يُفتح من الأسفل.
الجزء الثاني…فى أول تعليق